الصيام المتقطع والهرمونات: هل يهدد خصوبة الرجال والنساء أم يعالجها؟
حقق الصيام المتقطع شعبية هائلة خلال العقد الماضي كأحد أنجح الأنظمة الغذائية لـ فقدان الوزن، وتحسين حساسية الأنسولين، وضبط ضغط الدم، وتخفيف الالتهابات. ورغم هذه الفوائد المثبتة، تزايدت المخاوف مؤخراً حول تأثيره على الصحة الإنجابية ومستويات الهرمونات التناسلية لدى الذكور والإناث.
بين الشائعات المنتشرة على منصات التواصل والنتائج العلمية الدقيقة، قمنا بمراجعة بحثية شاملة لأحدث الدراسات السريرية التي أُجريت على البشر لنكشف لك الحقيقة الكاملة وراء تأثير الصيام على هرمونات مثل الإستروجين، التستوستيرون، والبرولاكتين، وكيف يمكنك تطبيقه بأمان.
كيف يؤثر الصيام المتقطع على هرمونات النساء؟
تتخوف الكثير من النساء من بدء الصيام خوفاً من حدوث اضطرابات في الدورة الشهرية أو مشاكل في الخصوبة. وتستند هذه المخاوف غالباً إلى دراسات قديمة أُجريت على فئران تجارب صغيرة جداً، وهي نتائج لا يمكن تعميمها على الإناث البالغات لأن نمط صيام القوارض يختلف جذرياً عن البشر.
إليك ما تقوله الدراسات السريرية البشرية الحقيقية عند اتباع أنظمة الصيام مثل حمية 5:2 أو تناول الطعام في أوقات محددة:
1. علاج طبيعي لمتلازمة تكيس المبايض (فرط الأندروجينية)
تعاني النساء المصابات بالسمنة وتكيس المبايض من ارتفاع نسبة الأندروجينات (الهرمونات الذكرية) في الدم، مما يسبب الشعرانية، وحب الشباب، واضطرابات الدورة الشهرية.
أظهرت الأبحاث أن الصيام المتقطع يساهم بشكل ملحوظ في خفض مؤشر الأندروجين الحر (FAI) والتستوستيرون الكلي بالتوازي مع خسارة الوزن. هذا الانخفاض يعيد التوازن الهرموني، مما يعزز فرص تنظيم الدورة الشهرية وتحسين الإباضة والخصوبة.
2. رفع مستويات بروتين SHBG المقاوم للسمنة
يعد الغلوبولين الرابط للهرمونات الجنسية (SHBG) بروتيناً حيوياً ينتجه الكبد لربط الهرمونات الزائدة وضبط مستوياتها الحرة في الدم. يربط العلم بين انخفاض هذا البروتين ومقاومة الأنسولين وسمنة البطن.
أثبتت التجارب أن الصيام المتقطع يرفع من تركيز بروتين SHBG لدى النساء قبل انقطاع الطمث، مما يساعد على تقليل الأعراض المزعجة الناتجة عن الهرمونات الذكرية الحرة.
3. سر التوقيت: نافذة الأكل الصباحية هي الأفضل
تبين أن الفوائد الهرمونية والأيضية لدى النساء تكون في أعلى مستوياتها عندما تقتصر نافذة تناول الطعام على ساعات الصباح الباكر (ينتهي تناول الطعام مثلاً قبل الساعة 4 مساءً).
في المقابل، أظهرت الدراسات أن تناول الوجبات الدسمة والثقيلة في وقت متأخر من الليل يرفع من مستويات الإستروجين بشكل سلبي لدى مريضات تكيس المبايض، مما يعيق محور الغدة النخامية ويؤدي لانقطاع الإباضة.
4. هرمونات الإباضة والرضاعة في أمان
أكدت المراجعات العلمية أن الصيام المتقطع ليس له أي تأثير سلبي على مستويات الإستروجين الأساسية، أو موجهات الغدد التناسلية (مثل الهرمون المنبه للجريب FSH والهرمون الملوتن LH). كما تبين أنه لا يؤثر على هرمون الحليب (البرولاكتين)، مما يعني أن الصيام الآمن والمحسوب يُعد خياراً ممكناً وجيد التحمل حتى للمرضعات دون التسبب في أي تغييرات سلبية على إنتاج الحليب.
ثانياً: الصيام المتقطع وهرمونات الرجال.. هل يتأثر التستوستيرون؟
على الجانب الآخر، يخشى بعض الرجال أن يؤدي الصيام إلى انخفاض هرمون الذكورة أو التأثير سلباً على كتلتهم العضلية. فماذا كشفت التجارب السريرية التي أُجريت على الشباب والرياضيين؟
1. انخفاض محدود في مستويات التستوستيرون
أظهرت الدراسات التي طبقت نظام الأكل المقيد زمنياً بـ 8 ساعات بالتزامن مع تمارين المقاومة انخفاضاً مستمراً في مستويات التستوستيرون الكلي والحر لدى الشباب النحيفين والنشطين بدنياً، ولم يرتبط هذا الانخفاض بمدة الصيام سواء كانت قصيرة (4 أسابيع) أو طويلة (44 أسبوعاً).
2. المفاجأة: القوة والكتلة العضلية لم تتأثر!
رغم أن التستوستيرون هرمون بنائي أساسي، إلا أن الأبحاث فجرت مفاجأة غير متوقعة؛ حيث تبين أن هذا الانخفاض الهرموني المحدود لم يؤدِ إلى أي تغيرات ضارة في تكوين الجسم أو ضعف في القوة العضلية. بل على العكس، نجح الرياضيون في الحفاظ على كتلتهم العضلية الصافية مع تحقيق خسارة ملحوظة في كتلة الدهون.
3. ثبات مستويات بروتين SHBG لدى الرجال
على عكس ما يحدث لدى الإناث، لم يظهر للصيام المتقطع تأثير يذكر على تركيزات البروتين الرابط للهرمونات الجنسية (SHBG) لدى الرجال، مما يشير إلى أن آلية استجابة الجسم ومحاور الغدد الصماء تختلف بشكل جذري بين الجنسين عند الحرمان المؤقت من السعرات.
كيف يغير الصيام بيولوجيا الجسم؟
تُعزى هذه الاستجابات الهرمونية أثناء الصيام إلى آليتين رئيسيتين خلف الكواليس:
الميكروبيوم المعوي: أثبتت البيانات السريرية أن الصيام المتقطع يحسن تكوين وتنوع البكتيريا النافعة في الأمعاء ويقلل من نفاذيتها، مما يخفض الالتهابات الجهازية ومقاومة الأنسولين التي تعد المحرك الأساسي للاضطرابات الهرمونية.
الإيقاع الحيوي وساعة الجسم البيولوجية: ضبط مواعيد تناول الطعام وحصرها نهاراً يتماشى تماماً مع الساعة البيولوجية الطبيعية لأعضاء الجسم، مما يدعم التوازن الهرموني المثالي وينظم عمليات الحرق والبناء.
الخلاصة والتوصيات العملية
نظراً لقلة الدراسات البشرية الطولية، يصعب استخلاص استنتاجات قاطعة ونهائية في الوقت الراهن، وما زلنا بحاجة لمزيد من البحوث.
لكن بناءً على البيانات المتاحة حالياً، يمكننا تلخيص الأمر في نقاط عمليّة:
للنساء: يعتبر الصيام المتقطع أداة علاجية ممتازة ومبشرة للتخلص من الوزن الزائد وعلاج تكيس المبايض، ويُفضل تطبيقه بجعل نافذة الأكل مبكرة خلال اليوم للحصول على أفضل النتائج.
للرجال: يعتبر الصيام خياراً ممتازاً لحرق الدهون ونحت الجسم، ولكن يجب على الرياضيين مراقبة مستويات الطاقة والرغبة الجنسية للتأكد من أن الانخفاض الطفيف في التستوستيرون لا يؤثر سلباً على صحتهم الأيضية.
استمع دائماً لجسدك، واستشر مختصاً لتعديل النظام بما يناسب أهدافك البدنية والصحية!